4.6 الرَّدُّ على من زعم أنَّ القراءات الصَّحيحة هي الَّتي ر...


ثم قال الإمام ابن الجزري -رحمه الله-: ولما قَدِمَ الشيخ أبو محمد بن عبد الله بن عبد المؤمن الواسطيُّ دِمشقَ في حدود سنة ثلاثين وسبعمائة، وأقرأ بها للعَشرة بمُضمِّنِ كتابيه: (الكَنز) و(الكفاية) وغير ذلك، بلغنا أنَّ بعض مقرئي دمشق ممَّن كان لا يعرفُ سوى (الشَّاطبيَّة) و(التَّيسير) حسده، وقصد منعه من بعض القضاة، فكتبَ علماءُ ذلك العصر في ذلك وأئمَّته، ولم يختلفوا في جواز ذلك، واتَّفقوا على أنَّ قراءات هؤلاء العشرة واحدةٌ، وإنَّما اختلفوا في إطلاق الشَّاذِّ على ما عدا هؤلاء العشرة، وتوقَّف بعضُهم. والصَّواب: أنَّ ما دخل في تلك الأركان الثَّلاثة، فهو صحيح، وما لا، فعلى ما تقدم.
وكان من جواب الشيخ الإمام مجتهد ذلك العصر، أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية -رحمه الله-: لا نزاعَ بين العلماء المعتبرين، أنَّ الأحرف السبعة التي ذكر النّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّ القرآن أنزل عليها، ليست قراءاتِ القرَّاء السَّبعة المشهورة، بل أوَّلُ مَن جمع ذلك ابنُ مجاهد؛ ليكونَ ذلك موافقًا لعدد الحروف التي أُنزل عليها القرآنُ، لا لاعتقاده واعتقادِ غيره من العلماء: أنَّ القراءات السبع هي الحروف السَّبعة، أو أنَّ هؤلاء السَّبعة المعيَّنين هم الذين لا يجوز أن يُقرأ بغير قراءتهم.

4.6 الرَّدُّ على من زعم أنَّ القراءات الصَّحيحة هي الَّتي ر...


ولهذا قال بعضُ مَن قال من أئمَّة القراء: لولا أنَّ ابنَ مجاهد سبقني إلى حمزةَ، لجعلت مكانه يعقوبَ الحضرميَّ إمامَ جامع البصرة، وإمامَ قرَّاء البصرة في زمانه في رأس المائتين.
ثم قال -أعني: ابنَ تيمية-: ولذلك لم يتنازع علماءُ الإسلام المتَّبعون من السَّلف والأئمَّة، في أنَّه لا يتعيَّنُ أن يُقرأ بهذه القراءات المعيَّنة في جميع أمصار المسلمين، فمن ثبتت عنده قراءةُ الأعمش شيخُ حمزة، أو قراءةُ يعقوب الحضرميُّ، ونحوهما، كما ثبتت عنده قراءة حمزة والكسائيِّ، فله أن يقرأ بها، بلا نزاعٍ بين العلماء المعتبرين المعدودين من أهل الإجماع والخلاف، بل أكثرُ العلماء الأئمَّة الَّذين أدركوا قراءة حمزة كسفيان بن عيينة، وأحمد بن حنبل، وبشر بن الحارث، وغيرهم، يختارون قراءةَ أبي جعفر بن القعقاع، وشيبة بن نصاح المدنيِّين، وقراءة البصريِّين كشيوخ يعقوب، وغيرهم، على قراءة حمزة والكسائي، وللعلماء الأئمَّة في ذلك من الكلام ما هو معروفُ عند العلماء، ولهذا كان أئمَّة أهل العراق الَّذين ثبتت عندهم قراءاتُ العشرة والأحد عشرة، كثبوت هذه السَّبعة، يَجمعون في ذلك الكتبَ، ويَقرءونه في الصَّلاة وخارج الصَّلاة، وذلك متَّفقٌ عليه بين العلماء، لم يُنكره أحدٌ منهم.
هذا ما ذكره ابن الجزري -رحمه الله تعالى- في بيان هذا الوجه.
وهذا لا يمنعُ ما سبق أن ذكرناه، عند تقييمنا لعمل ابن مجاهد، أنَّ ما ذكره كان عملًا جيِّدًا. ولذلك -بعد أن ننتهي من الوجه العاشر، ونُقدّم ترجمةً لأبي عمرو بن العلاء، وراوييه بمشيئة الله تعالى- سوف نذكر الضَّوابطَ التي وضعها العلماء للقراءات الصَّحيحة التي يُقرأ بها.